مجد الدين ابن الأثير
61
المختار من مناقب الأخيار
فقال : يا أسلم ! أتدري لم ربضت بحذائهم ؟ قلت : لا يا أمير المؤمنين . قال : رأيتهم يبكون ، فكرهت أن أذهب وأدعهم حتى أراهم يضحكون ، فلما ضحكوا طابت نفسي « 1 » . وقال ابن عمر رضي اللّه عنه : قدمت رفقة من التجار فنزلوا المصلّى ، فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه : هل لك أن تحرسهم الليلة من السّرق ؟ فباتا يحرسانهم ويصلّيان ما كتب اللّه لهما ، فسمع عمر رضي اللّه عنه بكاء صبيّ ، فتوجّه نحوه فقال لأمّه : اتقي اللّه وأحسني إلى صبيّك . ثم عاد إلى مكانه ، فسمع بكاءه ، فعاد إلى أمه فقال لها مثل ذلك ، ثم عاد إلى مكانه ، فلما كان في آخر الليل سمع بكاءه ، فأتى أمّه فقال : ويحك ! إني لأراك أمّ سوء ! مالي أرى ابنك لا يقرّ منذ الليلة ؟ قالت : يا عبد اللّه ! قد أمرضتني منذ الليلة ، إني أريغه عن الفطام فيأبى « 2 » . فقال : ولم ؟ قالت : لأنّ عمر لا يفرض إلا للفطم . قال : وكم له ؟ قالت : كذا وكذا شهرا . قال : ويحك ! لا تعجليه . فصلّى الفجر وما يستبين الناس قراءته من غلبة البكاء ، فلما سلّم قال : يا بؤس « 3 » لعمر ! كم قتل من أولاد المسلمين . ثم أمر مناديا فنادى : لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام ، فإنّا نفرض لكلّ مولود في الإسلام . وكتب بذلك في الآفاق ، أنّا نفرض لكلّ مولود في الإسلام « 4 » .
--> ( 1 ) أخرجه ابن عساكر في تاريخه 53 / 301 وذكره المحب في الرياض النضرة بنحوه 2 / 70 ، وكذا في مختصر تاريخ ابن عساكر 19 / 14 . ( 2 ) أريغه : أريده وأطلبه . ( 3 ) كذا في الأصل وأصل ابن عساكر ، وفي مختصر تاريخ ابن عساكر والرياض : « يا بؤسا » وهو أشبه بالصواب . ( 4 ) أخرجه ابن سعد في الطبقات 3 / 301 ، وابن عساكر في تاريخه 53 / 303 ، 304 ( المختصر 19 / 15 ) والمحب الطبري في الرياض 2 / 73 ، 74 ، وابن الجوزي في صفة الصفوة 1 / 282 .